ابن عبد البر

15

الدرر في اختصار المغازي والسير

ولو أن ناشرى الكتاب رأوا نسخة كتاب ابن عبد البر لجزموا بأن ابن حزم نقل عنه منذ حديثه عن المبعث ص 44 أكثر صحف كتابه مع تصرف قليل هنا وهناك . أما الظن بأنهما ربما نقلا عن مصدر مشترك فيضعفه أن ابن عبد البر عيّن في سيرته مصادره التي نفذ من خلالها إلى وضع كتابه ، بينما لم يذكر ابن حزم فيما التقى به معه مصدرا واحدا . وحقا إنه يتابع في حديثه المفصل عن الغزوات ابن إسحاق ، سواء في ترتيبها أو فيما تضمنته من الأحداث ومن أسماء من شاركوا فيها من المسلمين والمشركين وشهداء الأولين وقتلى وأسرى الأخيرين ، غير أنه في الواقع يتابع في ذلك ابن عبد البر ، فقد مرّ بنا ذكره في تقديمه لكتابه هذه المتابعة . وابن حزم لا يتابع ابن عبد البر في نسق كتابه وما تضمنه من الأحداث وأسماء الأعلام فحسب ، بل كثيرا ما يتابعه في سرد كلامه ناقلا نص عباراته مع شيء من التصرف أحيانا . وقد يترك النص الذي ينقله عن أستاذه دون أي تصرف . ونراه يتابعه في كثير من مراجعاته وآرائه ، حتى ليظن من لم يقرأ ابن عبد البر أنها ثمرة اجتهاده ، من ذلك متابعته له في أن أبا موسى الأشعري لا يصح أن يسلك فيمن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة ، يقول ابن عبد البر : « وقد جاء في بعض الأثر وقاله بعض أهل السير ( انظر ابن إسحاق في السيرة النبوية لابن هشام 1 / 347 ) أن أبا موسى الأشعري كان فيمن هاجر إلى أرض الحبشة وليس كذلك ، ولكنه خرج في طائفة من قومه مهاجرا من بلده باليمن يريد المدينة ، فركبوا البحر ، فرمتهم الريح بالسفينة التي كانوا فيها إلى أرض الحبشة ، فأقام هنالك حتى قدم مع جعفر ابن أبي طالب » وقارن بذلك جوامع السيرة ص 58 ومن متابعة ابن حزم لأستاذه ما ذهب إليه من أن الزكاة فرضت عقب الهجرة ومؤاخاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ( قارن بجوامع السيرة ص 97 ) . وقد تابعه في أن من شهد بدرا من المهاجرين كانوا ستة وثمانين رجلا ( قارن بجوامع السيرة ص 122 ) بينما عدّهم ابن إسحاق في السيرة 2 / 364 ثلاثة وثمانين . ومرّ بنا آنفا نفى ابن عبد البر لأن تكون قد حدثت مراجعة في حديث الإفك بين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة لموت ابن معاذ قبل الحادث ، ( قارن بجوامع السيرة ص 207 ) . وهذا التطابق بين سيرة ابن حزم وسيرة ابن عبد البر في الآراء وسرد الأعلام وعبارات